عن العظماء 2 20 فبراير, 2008 7٬261

يقول الياباني تاكيو أوساهيرا ،، أبتعثتني حكومتي للدراسة في جامعة ( هامبورغ ) بألمانيا لأدرس أصول الميكانيكا العلميـة , ذهبت هناك وأنا أحمل حلمي الخاص الذي لا ينفك عني أبداً , والذي خالج روحي وعقلي وسمعي وبصري وحسي , كنت أحلم بأن أتعلم كيف أصنع محركاً صغيراً .


كنت أعرف أن لكل صناعة واحدة أساسية أو مايسمى موديلاً , وهو أساس الصناعة كلها , فإذا عرفت كيف تصنعه , فإنك وضعت يدك على سر هذه الصناعة كلها .


وبدلاً من أن يأخذني الاساتذة الى المعمل أو مركز تدريب عملي , أخذو يعطونني كتباً لأقراها , وقرأت حتى عرفت نظريات الميكانيكا كلها , ولكنني ظللت أمام المحرك أياً كانت قوته وكأنني أقف أمام لغز لا يحل , كأني طفل أمام لعبة جميلة لكنها شديدة التعقيد , لا أجرؤ على العبث بها .

كم تمنيت أن أداعب هذا المحرك بيدي , كم أشتاق إلى لمسه وتعرف مفرداته وأجزاءه , كم تمنيت لمه وضمه وقربه وشمه , كم تمنيت أن أعطر يدي بزيته , وأصبغ ثيابي بمخاليطه , كم تمنيت وصاله ومحاورته والتقرب إليه , لكنها ظلت أمنيات .. أمنيات حية تلازمني وتراودني أياماً وأياماً .

وفي ذات يوم قرأت عن معرض محركات إيطاليه الصنع , كان ذلك أول الشهر , وكان مع راتبي , وجدت في المعرض محركاً بقوة حصانين , ثمنه يعادل مرتبي كله , فأخرجت الراتب ودفتعه للبائع , وحملت المحرك وكان ثقيلاً جداً , وذهبت الى حجرتي ووضعته على المنضدة , وجعلت أنظر إليه كأنني أنظر الى تاج من الجواهر , وقلت لنفسي : هذا هو سر قوة أروبا !! لو استطعت أن أصنع محركاً لغيرت أتجاه تاريخ اليابان .

وطاف بذهني خاطر .. إن هذا المحرك يتألف من قطع ذات أشكال وطبائع شتى , مغناطيس كحدوة الحصان , وأسلاك وأذرع دافعة وعجلات وتروس وما إلى ذلك , لو انني أستطعت أن أفكك قطع هذا المحرك وأعيد تركيبها بالطريقة نفسها التي ركبوها بها ثم شغلته فأشتغل .. أكون قد خطوت خطوة نحو سر موديل الصناعة الأوروبية .

بحثت في رفوف الكتب التي عندي , حتى عثرت على السوم الخاصه بالمحركات , وأخذت ورقاً كثيراً , وأتيت بصندوق أدوات العمل , ومضيت أعمل .. ورسمت منظر المحر بعد أن رفعت عنه الغطاء الذي يحمي أجزاءه , ثم جعلت أفكك أجزاءه قطعة قطعة , وكلما فككت قطعة رسمتها على الورق بغاية الدقـة وأعطيتها رقماً , وشيئاً فشيئاً حتى فككته كله , ثم أعدت تركيبه من جديد .

وفي هذه اللحظة وقفت صامتاً .. إنه وقوف وصمت المتشكك .. هل سأنجح في تشغيله ؟ وبسرعه قطعت شكي وأدرت المحرك .. فأشتغل , وما أن غرد صوت المحرك حتى كاد قلبي يقف من الفرح .. أستغرقت العملية ثلاثة أيام , كنت آكل في اليوم وجبة واحدة , ولا أصيب من النوم إلا ما يمكنني من مواصلة العمل .


وحملت النبأ إلى رئيس بعثتنا , فقال : حسناً فعلت , الآن لابد أن أختبرك , سآتيك بمحرك متعطل , وعليك أن تفككه وتكتشف موضع الخطأ وتصححه , وتجعل هذا المحرك المتعطل يعمل .


كلفتني هذه العملية عشرة أيام , عرفت فيها مواضع الخلل , فقد كانت ثلاث من قطع المحرك بالية متآكلة , ضنعت غيرها بيدي , ضنعتها بالمطرقة والمبرد , لقد كانت هذه اللحظات أسعد لحظات حياتي , فأنا مع لمحرك جنباً الى جنب , ووجهاً الى وجه , لقد كنت سعيداً جداً رغم المجهود الكبير الذي بذلته في إصلاح المحرك .. قربي مع هذا المحرك أنساني الجوع والعطس , لا آكل في اليوم إلا وجبة واحدة , ولا أصيب من النوم الى القليل .

ثم تأتي اللحظات الحاسمة لاختبار أدائي في إصلاح هذا المحرك بعدما جمعت أجزاءه من جديد , وبعد قضاء عشرة أيام مع العمل الشاق , أخذت يدي تقترب لإدارة المحرك .. وكم كنت احمل من القلق الهم في لك اللحظات العصيبة , هل سأنجح بعدما أدخلت فيه بعض القطع التي ضنعتها ؟! وكم كانت سعادتي واعتزازي بعد ماسمعت المحرك وهو يعمل .. لقد أصلحته .. لقد نجحت .


بعد ذلك قال رئيس البعثة : عليك الآن أن تصنع قطع المحرك بنفسك , ثم تركبها محركاً .


ولكي أستطيع أن أفعل ذلك التحقت بمصانع صهر الحديد وصهر النحاس والألمنيوم , بدلاً من أن أعد رسالة الدكتوراه كما أراد أساتذتي الألمان , تحولت إلى عامل ألبس بدلة زرقاء , وأقف صاغراً إلى جانب عامل صهر المعادن , كنت أطيع أوامره كأنه سيد عظيم , كنت أخدمه حتى في وقت آكله , مع أنني من أسرة ساموراي .. والأسرة السامورائية هي من أشرف وأعرق الأسر في اليابان , لكنني أخدم اليابان , وفي سبيل اليابان يهون كل شيء .


قضيت في هذه الدراسة والتدريبات ثماني سنوات , كنت أعمل خلالها بين 10 الى 15 ساعة في اليوم , بعد انتهاء يوم العمل كنت آخذ نوبة حراسة , وخلال الليل كنت أراجع قواعد كل صناعة على الطبيعة .


وعلم الميكادو ( إمبراطور اليابان ) بأمري , فأرسل لي من ماله الخاص خمسة آلاف جنية إنجليزي ذهباً , أشتريت بها عدةً وأدوات آلات لمصنع محركات متكامل , وعندما أردت شحنها إلى اليابان , كانت النقود قد نفذت , فوضعت راتبي وكل ماادخرته خلال تلك السنوات الماضية لاستكمال إجراءات الشحن .

عندما وصلنا إلى ناجازاكي قيل لي : أن الميكادو يريد أن يراني , قلت : لن أستحق مقابلته إلا بعد أن أنشئ مصنع محركات كامل .. استغرق ذلك 9 سنوات .. تسع سنوات من العمل الشاق والجهد المتواصل .

وفي يوم من الأيام , حملت مع مساعدي 10 محركات صنعت في اليابان قطعة قطعة , حملناها إلى القصر , ووضعناها في قاعة خاصة بنوها لنا قريباً منه , ثم أردنا جميع المحركات العشرة , ودخل الميكادو وانجنينا نحييه , فأبتسم وقال : هذه أعذب موسيقى سمعتها في حياتي , صوت المحركات يابانية خالصة .. هكذا ملكنا الموديل وهو سر قوة الغرب , نقلناه إلى اليابان , نقلنا قوة أوروبا إلى اليابان , ونقلنا اليابان إلى الغرب .

وبعد ذلك الحدث السعيد , ذهب الى البيت فنمت 10 ساعات كاملة .. وهي أول مرة أنام فيها 10 ساعات كاملة من 15 عاماً .

2 thoughts on “تاكيو أوساهيرا

  1. رائع ….رائع بحق

    هذة واحدة من اروع قصص النجاح التي قرئتها من قبل

    دائما كنت اؤمن بقصتها ولكني اول مرة اقرئها

    شكرا لك اخي العزيز علي التدوينة الرائعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *